عمر فروخ

31

تاريخ الأدب العربي

المنطق يقضي بأن نجعل الثوب مفعولا به ( برغم علامة الرفع التي لحقته ) ، وأن يكون المسمار هو الفاعل ( برغم الفتحة على آخره ) . وهذا الذي نجده في اللّغة العربيّة نجد مثله أيضا في اللّغات الأجنبيّة ، وخصوصا تلك اللّغات التي فيها إعراب ( كاللاتينية والألمانيّة ) . يقولون في اللّغة اللاتينية : Inter filios agricolae semper discordia erat . ومجرى هذه الجملة في اللّغة العربيّة كما يلي : بين أبناء الفلّاحين دائما خلاف كان . وكذلك نجد في اللغة الفارسيّة هذا النّسق نفسه : دو زن براي طفلي دعوى مىكردند : اثنتان نساء في شأن طفل دعوى رفعن « 1 » . هذا التركيب الغريب على القارئ العربيّ ( وعلى النحو العربيّ أيضا ) هو التركيب المألوف في اللّغتين اللاتينية والفارسية . وحجّة اللاتين والفرس أنّ الجملة - وخصوصا إذا هي طالت « 2 » - تغيب ألفاظها المتقدمة من الذّهن ، فيجعلون الكلمات المهمّة في آخر الجملة حتّى يظلّ الذّهن واعيا حافظا لها . وربما اقتضت البلاغة العربيّة أن يكون ، في الجملة بعد الجملة ، شيء من التّقديم والتأخير ، كما نجد في قوله تعالى : وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 7 : 192 ، سورة الأعراف ) - مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ ( 20 : 55 ، سورة طه ) - . . . وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 43 : 33 ، سورة الزخرف ) . إنّ تقديم المفعول به هنا وتقديم الجار والمجرور غايته التأكيد ( وهو وجه من البلاغة ) . إنّ قوله تعالى : مِنْها خَلَقْناكُمْ دعت إليه ضرورة التأكيد على الجار والمجرور « منها » ( من الأرض ) . أمّا « خلقناكم » فلم يكن

--> ( 1 ) كان في الفارسية القديمة مثنى ، ثمّ فقد المثنى وحل محله الجمع . ( 2 ) والعرب يقولون أيضا : إن الكلام إذا طال أنسى بعضه بعضا .